الدين والحياة

عبر وعظات في قراءة سورة الكهف بقلم / أحمد رأفت

نبي الله موسى ورحلته مع الخضر (1)

سنبدأ السباحة معا في سورة الكهف آملين أن ننهل من معينها بعض العبر والعظات والدروس التي يمكن أن تكون لنا عونا في هذه الحياة، وسيكون تناولنا لها من خلال قراءة واعية للآيات وليس تفسيرا لها، وقد تعددت الصور والحكايات والقصص القرآني في سورة الكهف لكننا اليوم بصدد تناول قصة نبي الله موسى وما فيها عبر وعظات مستخلصة.
كان طبيعيا أن يظن موسى النبي والرسول الكريم أنه أعلم أهل الأرض، ولمَ لا ؟! .. وهو كليم الله المصطفى من بين رسله وأنبيائه.
وكان طبيعيا أن يكون التواضع هو شيمة النبي موسى عندما يعلم من رب العزة أن هناك من البشر من يفوقه علما بل ويقبل أن يكون تلميذا له ويضرب له المسافات الطويلة بحثا عنه ليكون تحت إمرته طالبا لعلم نافع، ويظهر حب النبي موسى ورغبته الصادقة في العلم والمعرفة في قوله تعالى : “قَالَ لَهُ مُوسَىٰ هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَىٰ أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا(66)ط وتأتي التوعية والتحذير من سيدنا الخضر لموسى أنه لن يستطيع أن يصبر على هذا النوع من العلم فهو علم لم يألفه موسى ليس له صلة بالظواهر إنما هو علم لدني خفي يتعلق ببواطن الأمور، ولكن رغبة سيدنا موسى في التعلم تغلبه وثقته في نفسه وقدرته تجعله يقبل التحدي: “قَالَ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا (69) ” .
وهنا يشترط الخضر شرطا يبدو في شكله سهلا إلا إنه في غاية الصعوبة، هذا الشرط يتطلب ألا يعترض التلميذ على أي شيء أو فعل يصدر من معلمه، فينبغي أن يصبر على العلم وما في تحصيله من مشاق حتى يجني ثمراته.
وتبدأ الرحلة رحلة غايتها العليا العلم والتعلم، ويركبان السفينة ويلقيان من الحفاوة والترحيب والإحسان من أهلها ما يجعل موسى يثور ويعترض رغما عنه؛ عندما يجد الخضر يقابل هذا الإحسان بإفساد السفينة وكسر بعض الألواح منها معتقدا في نفسه أن الخضر يريد إغراق أهلها “قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا (71)”
فهذا سلوك مرفوض قلبا وقالبا من نبي صالح لا يدعو إلا إلى الإصلاح ، وما فعله الخضر في السفينة يصعب تقبله ولكن الخضر يذكره بشرطه الأول وهو عدم الاعتراض على أي تصرف يقوم به حتى يفسره له ، وأنه قد قال مسبقا أن موسى لن يستطيع معه صبرا، فيشعر موسى بالحرج ويعتذر عما بدر منه بحجة النسيان “قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا (73)” .
ثم يأتي موقف آخر أشد صعوبة عندما يلتقي الخضر بغلام صغير برئ له من آيات الجمال ما يخلب النظر فيقتله الخضر أمام موسى بلا سبب واضح أو مبرر معقول، فيصرخ موسى منكرا ما رأى ” قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُّكْرًا (74)فالقتل كبيرة من الكبائر التي ينهى عنها الأنبياء فما بالكم بطفل برئ لم يفعل شيئا .. وهنا يضع الخضر أمام موسى صخرة الحقيقة وهو أن لن يستطيع الصبر على ما يرى .. فيشعر موسى بالحرج ؛ لأنه خالف الخضر واعترض عليه للمرة الثانية ويدفعه ذلك لأن يقول له: “إن خالفتك في شيء بعد ذلك فيحق لك ألا تصاحبني” وكأنه يلزم نفسه ضمنيا ألا يخالف أستاذه بعد ذلك مهما حدث.
ثم تأتي النهاية نهاية الرحلة وليتها طالت أكثر من هذا لتطول معها المتعة وتكثر فيها العبر والعظات. ينزل الخضر بصحبة موسى قرية يسكنها شرار الناس، ويتضح شرهم حين يسأل الخضر وموسى أهلها أن يقدما لهما بعض الطعام لكنهم يرفضون ويغلقون باب الإحسان في وجهيهما فيجلسان في ظل جار لبيت قديم يوشك أن ينهار فيشمر الخضر عن ساعديه ويقوم بإصلاح الجدار وترميمه في عجب من موسى الذي ينصحه بضرورة مطالبة أهل الدار بأجر مقابل ما قام به من جهد ومن إصلاح للجدار ويفاجأ موسى برد فعل الخضر الذي يعلن مفارقته لموسى لأنه خرق الشرط الذي أخذه عليه للمرة الثالثة وهنا يخبره يتفسير وتأويل ما رأى من أحداث ولم يصبر عليها.
“قَالَ هَٰذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ ۚ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا (78)
وسنكمل أحداث القصة في الأسبوع المقبل.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق