أهل الفن

المبدع “زكي رستم”..وعبقرية الإندماج…

إعداد / أ. محمد توفيق

 

غالبا ما يواجه الفنان ظروفا تحتاج إلى شجاعة المواجهة… تلك الشجاعة إرتكن عليها” زكي رستم” في مواجهة العائلة على المستوى الخاص..الرافضة أن يكن أحد أبنائها فنانا وواجه المجتمع كله في زمن كان يرتاب في شخصية الفنان وينظر إلى ” المشخصاتي” بإستهانة…!!!

زكي رستم ابن الحلمية …حفيد اللواء محمود رستم باشا..حصل على البكالوريا سنة ١٩٢٠.م وصد رغبة والده لم يلتحق بكلية الحقوق..وتمرد على التقاليد وانضم لفرقة” جورج أبيض” المسرحية بمساعدة صديقه الفنان عبد الوارث عسر..ثم التحق بفرقة عزيز عيد المسرحية…وتركها بعد أشهر قليلة لينضم إلى فرقة اتحاد الممثلين…وهي اول فرقة مسرحية تحدد لها الحكومة إعانة شهرية…ثم يتركها أيضا ليلتحق بالفرقة القومية التي أسسها ورأسها خليل مطران واستمر بها لعشر سنوات كاملة وبعدقرابة ٢٧ سنة من تاريخ ميلاده”١٩٠٣” كان أول ظهور له في السينما الصامتة في فيلم ” زينب” عن رواية بنفس الأيام للكاتب” محمد حسين هيكل” سنة ١٩٣٠ إخراج محمد كريم وإنتاج “يوسف بك وهبى” ثم يليه في سنة ١٩٣٢ظهوره في اول فيلم ناطق” الوردة البيضاء” تأليف وإخراج محمد كريم…في كلا الدورين قدم” زكي رستم” شخصية” الباشا ” بعظمتها وكبريائها…..ثم يخرج من عباءة ” الباشا” في ثالث أفلامه ” الضحايا ” ليقدم ويبدع في شخصية زعيم عصابة لتجارة المخدرات أمام أشهر نجمات ذلك التاريخ “بهيجة حافظ “سنة ١٩٣٢ وإخراج ابراهيم لاما….

كان ” زكي رستم” مؤمنا بأن التناقض الجوهري للفنان صفة مبطنة للتحول والتقني في وقت واحد….ويبرهن على ذلك بأدائه الممتع في فيلم ” خاتم سليمان” للسيد زيدان وإخراج حسن رمزي حيث أدى بمهارة دور الأنسان المتعدد في واحد.!! الانسان الذي ينزع إلى الخير والشر حسب الموقف الذي يقف فيه…فقدم شخصية” المعلم بيومي” الذي يعثر على ” خاتم سليمان” وتتغير شخصيته وفقا لإجابات ” الجني” الخارج من الخاتم لطلبات وكيفية ترتيب جريمة تمنع تقارب حبيبين ويتحول المعلم بيومي الى”حسني باشا سعيد” الذي يعيش حياة الأبهة والعظمة..ويمرض الباشا ويفشل الجني” في تحقيق مطالبه التي جمعها في ” الصحة”…وهنا تطفو نوازع الخير الكامنة ويسعى لأصلاح ما افسدته نوازع الشر..
وينجح” زكي رستم” في أداء الشخصيتين ببراعة شديدة من نظرة العين الي حركة البدن!!

وتلك كانت بداية ظهور مدرسة التقمص الحر وكنا في سنة١٩٤٥..!! وفي سنة ١٩٥٠ يجنح ” زكي رستم” إلى الهدوء في الأداء في دور الجد الطيب الحنون في فيلم”ياسمين” لابو السعود الابياري..امام انور وجدي ممثلا ومخرجا..ومن أهم صور” الإبداع في الأداء مشهد قص شارب الجد النائم بيد حفيدته الذي نسمع فيه الجد بمنتهي الضعف يقول “عشرين سنة بربي في شنبي..كدة تقضيه يا ياسمين” المعجز أن الطفلة المعجزة ” فيروز” ترد عليه بنفس درجة الصوت” كنت ربتني انا احسن ياجدو” ..
في نفس العام يقدم شخصية ” صابر افندي” الموظف المطحون في فيلم” معلش يا زهر” ليوسف عيسى وإخراج بركات..وتمر الايام وتظهر مفاجأة فيلم “الفتوة” تأليف وتمثيل فريد شوقي وإخراج صلاح ابو سيف حيث تبرز للمتلقي شخصية ” المعلم هريدي ” تاجر سوق الخضار الذي يتلاعب بأقوات الناس نلمح العبقرية في الأداء التي وصلت إلى حد كيفية” تشمير” اكمام القفطان وضحكته الخبيثة وهو يزجر بائع متجول يسأله ” القوطة بايظه يا معلم” فيرد ” بايظة..بايظة..خللي الفقير ياكل” ويبتسم بخبث..هازا مساحته بين كفيه….والامثلة كثيرة….فمن من محبي الفن السابع يستطيع أن ينسى شخصية ناظر الزراعة في فيلم “الحرام”..او ينسى تشخيص “طاهر بك” في فيلم ” نهر الحب” أو تشخيص ” الباشا عزيز” في “اين عمرى” أو شخصية زعيم العصابة ” شحات ابو سريع” في” ملاك وشيطان” أو أداء شخصية الباشا الارستقراطي الغاشم في” صراع في الوادي”…….
نعود للذكريات..حيث قدم لنا زكي رستم في الستينيات عودة إلى الهدوء النسبي في شخصية الشاب الذي يعيش ارملا مع بناته الأربعة..صارما حين يتطلب الموقف الصرامة عطوفا في مواطن العطف والحنان…بنفس القوة والقدرة على الإقناع.. في فيلم” انا وبناتي”سنة ١٩٦١
العجيب في الأمر أن ” زكي رستم كان خارجا لتوه من فيلم ” رصيف نمرة خمسة”وكيف ادى دور شخصية فيها صلابة تاجر المخدرات…المخادع لمن لا يعرفه بأنه من اهل التقوى والصلاح..وكيف يتهكم على خصمه بعبارة” روح يا شيخ الله يعمر بيتك”

ومهماتشابهت مسميات أدوار وابداعات” زكي رستم” فإننا لانستطيع الا أن نقول انه امتلك القدرة على أداء المطلوب واقتناعنا به..بعدما أخلص لفنه بواقعية شديدة…وأدرك أن الفنان لا يصير فنانا ما لم يستطع ان” يغيظ” المشاهد و يفك عقال روحه كي يحطم الحاجز بين كذب الأداء وحقيقته..

واذا كان وجه” زكي رستم” يخيف البعض احيانا بسبب اتساع عينيه وملامح الغلظة الا اننا نرى في وجهه بهاء خالدا.. وقسوة محيرة..وجاذبية النبلاء..ودائما ما تلمح تحت صلابته ليونة مخفية..
عاش”زكي رستم” وحيدا..فقد ظل طوال حياته أعزبا..لم يعرف التذمر ابدأ لأنه اختار طريقه ينطلق الى الحرية..منهمكا في شخوصه بكل جوارحه..عازفا عن الشهرة..فأتته الشهرة ساعية..اختارته مجلة” باري ماتش” الفرنسية واحدا من أفضل عشرة ممثلين…وحصل على وسام الفنون والعلوم والآداب من الرئيس جمال عبد الناصر..وفي سنة ١٩٦٨ اعتزل التمثيل…بل واعتزل الناس جميعا بعد فقدان حاسة السمع..واستعان على الوحدة في شقته السكنية بعمارة يعقوبيان بمخزون ماضيه الذي لا ينضب..وفي الخامس عشر من فبراير سنة ١٩٧٢ مات ” زكي رستم” تاركا لنا مئتين واربعين فيلما..وخمسة وأربعين مسرحية..فلندع لتلك الروح المبدعة بالرحمة والمغفرة..ونؤمن اننا ندعو بالرحمة لمبدع اخلص لفنه فوضعته موهبته في عداد الخالدين….

 

اظهر المزيد

هانى توفيق

د, هانى محمد توفيق رئيس مجلس إدارة جريدة النجم الوطنى محلل وكاتب سياسى ومحرر ومصور أمني ببعض المجلات التابعة لوزارة الداخلية بالإمارات العربية المتحدة، عضو جمعية المراسلين الأجانب، وإتحاد المصورين العرب، ونقابة الفنانين التشكيليين، والإتحاد الدولي للصحافة العربية، وجمعية الإمارات للتصوير الضوئي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق