أهل الفن

نظرة على فن الزمن الجميل مع البرنسيسة” مريم فخر الدين”

كتب/ د. هاني توفيق
عن بوليني ديكيومنت
هي مريم محمد فخر الدين من مواليد مدينة الفيوم الثامن من شهر أغسطس عام 1933، لأب مصرى يعمل مهندسا للري، ووالدتها ” باولا” مجرية الأصل تعرّف بها والدها وتزوجها أثناء سفره بالخارج
” أمى مجرية مسيحية وكنت فى المدرسة الألمانية منذ طفولتى باسم «مارى فخر الدين» وليس «مريم»، وحينما شاهدنى والدى فى المنزل أذاكر الإنجيل، تفاجأ بشدة وأخبرنى بأننى مسلمة ولست مسيحية وأعطانى «القرآن الكريم «وقال لى هذا دينى، ولكن كانت لدى مشكلة إننى لم استطع قرءاة اللغة العربية وخاصة اننى كنت فى مدرسة ألمانى، إلا أنه علمنى قراءة سورة «الفاتحة» قبل وفاتة.”
حصلت على شهادة البكالوريا من المدرسة الألمانية بباب اللوق ، ثم فازت عن طريق مجلة «إيماج» الفرنسية ( الصادرة بالفرنسية عن دار الهلال المصرية ) بجائزة أجمل وجه، ولفتت نظر المصور السينمائي عبده نصر الذي بحث عنها وأسند إليها بطولة فيلم من إنتاجه بعنوان «ليلة غرام» من إخراج أحمد بدرخان عام 1951، ونجح نجاحاً واسعاً. منذ ذلك الحين، بدأت مريم تحصد الألقاب، فأطلقت عليها مجلة ” الموعد ” لقب ” الملاك الرقيق ” ومجلة ” آخر ساعة ” لقب “الجيوكندة “
( في يوم عيد ميلادها ذهبت لالتقاط صورة لدى مصور فوتوغرافي اسمه واينبرج، فعرض عليها الاشتراك بصورتها في مسابقة فتاة الغلاف التى تنظمها إحدى المجلات وفازت بالجائزة وكانت 250 جنيها)

تقول ” كانت بداياتي مرتبطة بظهوري على غلاف عدد من المجلات دفعة واحدة، ما جعل عدداً كبيراً من المنتجين يحاول الوصول إلي وبعضهم جاء لزيارة منزل والدي لموافقته على المشاركة معهم في التمثيل، خصوصاً أنني كنت لم أكمل بعد عامي السادس عشر. لكن والدي كان يطردهم دوماً من منزلنا وكان من بينهم أنور وجدي وحسين صدقي، أشهر منتجين في تلك الفترة.”
بالمصادفة. كانت علاقة صداقة تربط بينه وبين والد المخرج أحمد بدرخان، والذي جاء إلى منزلنا، واعتقد والدي في البداية أنه قادم لأجل إنهاء بعض مصالح والده قبل أن يطلعه على كتاب {ليلة غرام} والذي ظهرت فيه للمرة الأولى في السينما. أعجب والدي بالشخصية ونصحني بتقديمها لأنها عن فتاة يتيمة تعمل ممرضة، وكان والدي يرى فيها نموذج الفتاة الجيدة، ومنها انطلقت إلى السينما.
كان والدي يحاول أن يهرِّب المنتجين والمخرجين عبر زيادة أجري 500 جنيه، لكن قبل انتهاء فيلمي الأول كنت قد تزوجت من المخرج محمود ذو الفقار الذي جاء ليجلس مع والدي لأجل الاتفاق على مجموعة أفلام واشترط عليه والدي أن تكون جميعها بلا مشاهد قبلات أو لباس بحر أو أحضان، بالإضافة إلى الأجر الزائد في كل عمل. وفي نهاية الحديث، اتفق معه على زواجي، وعندما سألني والدي قلت له {طيب}، وتم الزواج ولم يشكل فارق العمر الكبير (23 عاماً) بيني وبينه، مشكلة لدى عائلتي.
كان والدي يرفض عملي في السينما، لذا عندما تقدم لي محمود ذو الفقار اعتبرها فرصة للتخلص مني. ومعه بدأت مرحلة جديدة في حياتي الفنية كممثلة قدمت خلالها مجموعة كبيرة من الأفلام.
كنت زوجة رومانسية ولكن للأسف لم أرتدى فستان الفرح، رغم زواجي أربع مرات، ففي كل مرة كانت تحول الظروف دون ذلك. أتذكر أنه في المرة الأولى رفض محمود ذو الفقار أن يجلس إلى جواري في الفرح بسبب الفارق العمري وكنت بالنسبة إليه طفلة، وهو القرار الذي أيده والدي.
تقول مريم: ” أصبح عندي بعد أول اتفاق، ثلاثة آلاف جنيه، وأعمل بها ما أريده، ولكني لا أستطيع أن أودعها في البنك، لأن سائق السيارة سيخبر محمود بالأمر، فهو جاسوس ينقل إليه كل تحركاتي، ووقتها كان والدي متوفيا منذ وقت قصير، فذهبت لزيارة المقابر، وحين علم محمود، تشاجر معي، لأني ذهبت إلى هناك دون أن أخبره “.

 

كان قد مضى على زواجها من ذوالفقار 7 سنوات وعدة أشهر، ولجأت إلى حيلة لإخفاء نقودها، واشترت عددا كبيرا من الجوارب، ووضعت في كل واحد ألف جنيه، وخبأت كنزها خلف مرآة غرفة النوم، وبعد كل فيلم تلقي بجوارب أخرى، ولم تسنح لها الفرصة، لتلقي نظرة على خبيئتها، حتى أخبرها محمود بسفره إلى لبنان، وأنه سيغيب أسبوعا واحدا.
بعد سفر ذوالفقار، أزاحت المرآة، وأحصت الجوارب، فوجدت أنها تمتلك 40 ألف جنيه، وحينها شعرت بالقوة، وبدأت تخطط لحياة جديدة، وتجبر زوجها على استقلالها المادي، ورفع الوصاية عنها، فهي لم تعد الفتاة الصغيرة «القاصر»، فقد نضج تفكيرها، وصارت أما، وتستطيع أن تربي ابنتها، وتتكفل بنفقاتها، كانت تعلم أنها في انتظار ثورة عارمة.
تسارعت الأحداث على نحو لم تتوقعه، حين قابلت مريم بالمصادفة صاحب العمارة، وسألته عن شقة خالية، وبالفعل استأجرت واحدة في الطابق الرابع، وأعاد تجهيزها بالديكور والأثاث، وأخذت معها ابنتها «إيمان» وهي ذات الشقة رقم «13» التي أقامت بها حتى رحيلها في 3 نوفمبر 2014.
كان عقد الشقة 13 هو الأول الذي توقعه دون وصاية من أحد، وقد قاربت السابعة والعشرين من عمرها، واستأجرتها بمبلغ 45 جنيها شهريا، ووقتها عاد ذوالفقار من لبنان، وعرف بما فعلته زوجته ، وأنها غادرت شقتهما في الطابق السابع، وسكنت بالطابق الرابع، فهبط الدرجات مسرعا، وطرق الباب في عنف، ولكنها جلست هادئة، وهي تحتضن ابنتها إيمان، وبعدها حدث الطلاق في عام 1960.
عن تلك الأحداث العاصفة قالت :
” إن ذوالفقار غضب من انتقالها إلى شقتها بالدور الرابع، وترك باب شقة الزوجية مفتوحا، وغادر البناية ليقيم مع والدته، ووقتها لجأت إلى حيلة لتنتقم منه، ودعت عمال الاستديو لأخذ ما يريدونه من أثاث، وبلغه ما فعلته، فأدرك أن الحياة بينهما صارت مستحيلة، ووافق على الطلاق “

 

انتهت زيجتها الأولى بالطلاق، ولكن لم تنقطع صلتها بمحمود ذوالفقار، فثمة قاسم مشترك بينهما، وهو ابنتهما «إيمان»، بل وافقت على المشاركة في فيلم من إخراجه (الأيدي الناعمة) عام 1964، عن قصة توفيق الحكيم، وتقاسمت بطولته مع أحمد مظهر وصباح وصلاح ذوالفقار وليلى طاهر.
في هذا الوقت تحولت الخصومة بين مريم وذوالفقار إلى صداقة وزمالة فنية، ولكنها لم تفكر في العودة مرة أخرى إلى والد «إيمان»، وبقيت سنوات زواجهما في خانة الذكريات، وكلاهما أدرك أنه لا يستطيع احتواء الآخر، وستدب الخلافات بينهما من جديد، وأن أي محاولة للتصالح قد تنتهي على نحو مأسوي، وكل هذا سينعكس على مستقبل ابنتهما الوحيدة.
بعد سنوات، اعترفت مريم بأنها لم تندم على زواجها من ذوالفقار، فقد ساعدها كثيرا، وهو والد ابنتها، ولكن الشجار تكرر بينهما في العام الأخير معه
عن زيجاتها التي انتهت بالانفصال، قالت ” دائما كنت أبحث عن الحنان في الرجل، ولم أجده، وأدركت أن أي رجل يتزوج من امرأة أكثر شهرة ونجاحا منه، يصيبه ذلك بالجنون ويعاملها بقسوة “
اعتبر النقاد أن مريم فخرالدين صاحبة مشوار سينمائي متفرد، وأن النجمة الصغيرة التي بدأت حياتها بأدوار ميلودرامية، قد صقلت موهبتها من خلال خبرات تمثيلية متراكمة، وتعاملها مع عدد كبير من المخرجين ذوي المدارس الإخراجية المختلفة، وليس غريبا أن تصل إلى مرحلة النضج الفني، بل والمغامرة الجريئة، بقبول أدوار الأم، وهي دون الأربعين
عن التحولات في مشوارها السينمائي، قالت مريم: ” بدأت حياتي الفنية في عام 1951، وتعاملت مع كل المخرجين بلا استثناء، وتقاسمت البطولة مع فاتن حمامة في فيلم «لا أنام» وهند رستم في «رد قلبي»، وبعدها أقنعني المخرج كمال الشيخ، بدور أم «سعاد حسني» في فيلم «بئر الحرمان»، وكنت في السادسة والثلاثين من عمري، وأعجبتني الشخصية جدا، فهي تحتاج إلى فهم عميق لأبعادها النفسية، والقدرة على التعبير الصامت عن مشاعرها، فالأم على قدر من الجمال، وتعاني أزمة في حياتها، تسببت في خلاف مع زوجها، وتتحمل معاملته السيئة لها من أجل ابنتها».
في أحد أيام عام 1964، شعرت مريم بألم شديد في أذنها، وكانت تعاني منذ فترة ضعف السمع بها، وقرأت بالمصادفة عن حضور بروفيسور أجنبي متخصص في جراحات الأذن، وأنه سيجري بعض العمليات في أحد المستشفيات بالإسكندرية، وبالفعل حزمت أمتعتها، وسافرت إلى هناك، دون أن تدري باقتراب فصل جديد في حياتها الشخصية.

 

روت مريم في مذكراتها: “في ذلك الوقت، كانت أذني مصابة بضعف، جعلني لا أسمع جيدا، وقد قمت بإجراء عملية في مستشفى قصر العيني بالقاهرة، ولم تنجح، وكان من المقرر أن أسافر للخارج لإجراء عملية أخرى، ونشرت الصحف وقتها كل التفاصيل” .
عندما وصلت إلى المستشفى، قوبلت بحفاوة شديدة، والتف حولها المعجبون والمعجبات لالتقاط الصور التذكارية، واستقبلها الطبيب الشاب عبدالحميد الطويل، وقبل دخولها غرفة العمليات، طلبت منه أن يأخذ حقيبتها ومجوهراتها كأمانة، فأبدى دهشته من حضورها بمفردها، فأخبرته أنها أرسلت السائق ليحضر أمها وشقيقها يوسف.”
في هذا الوقت، كانت قد طوت صفحة زواجها الأول، ومر أكثر من ثلاث سنوات على طلاقها من محمود ذو الفقار، ولكن ابنتهما «إيمان» وزمالتهما الفنية، أبقت على تواصلهما، بل رحبت بالتعاون معه في فيلم من إخراجه «الأيدي الناعمة»، ولم تدرك أن معاودة شعورها بالألم في أذنها، سيجعلها على مسافة قريبة من زيجة أخرى.
تقول مريم في مذكراتها: «تحسنت حالتي، وتأهبت للخروج، ولكن الطويل أصر أن أبقى لأنني مازلت في فترة النقاهة، وأحتاج إلى متابعة لعدة أيام بعد العملية، وكنت قد اشتريت بعض الهدايا الذهبية، لكل من أكرموني، واهتموا برعايتي، وفوجئت برفضه للهدية، فطلبت من أخي يوسف، أن يدعوه للعشاء في أحد المطاعم بالإسكندرية، وجلس شقيقي لوقت قصير، ودفع الحساب، ثم انصرف لانشغاله بعمل في القاهرة، وليلتها قال لي عبدالحميد إنه ابن عبد الفتاح باشا الطويل، وأبدى إعجابه بي، وطلبني للزواج، فقلت له يتحدث في الأمر مع محمود ذوالفقار، لأنه والد ابنتي، فوافق على الفور.
جلس الطبيب عبدالحميد الطويل مع ذو الفقار، واتصل الأخير بمريم ليخبرها بأنه زوج مناسب لها، وتمنى لها السعادة في زواجها الثاني، ووقتها كان الطويل سيسافر إلى لندن لإكمال دراسته العليا، ونيل الدكتوراه، وهناك ستطول فترة إقامته، وقد تستغرق أربع سنوات، وهذا الأمر يحتاج إلى نفقات تصل إلى ثلاثة آلاف جنيه، وقررت النجمة مساعدة الطبيب، والوقوف بجانبه، والاكتفاء بإعلان الخطوبة، وتأجيل الزواج لحين عودته.

 

في هذا الوقت، انشغلت مريم بتصوير فيلم «الأيدي الناعمة»، وشاركتها البطولة المطربة صباح، وكانت تجمع بين مريم وصباح صداقة قوية، فأخبرتها الأولى بقلقها من سفر خطيبها إلى لندن، فنصحتها بأن تذهب إليه، لتتزوجه قبل أن تجرفه الحياة في مدينة الضباب، وينسى حبه لها، فأرسلت إليه تخبره بقدومها على أول طائرة.
وافق الطويل على فكرة الزواج دون تردد، واتصل بأخيه في مصر، ليستخرج وثيقة رسمية تفيد بطلاقها من محمود ذوالفقار، وللمرة الثانية تتزوج مريم دون حفل زفاف، وقد انتقلت ابنتها لتعيش مع والدها، وأنجبت من الطويل ابنها محمد.
تقول مريم: ” لم يستمر زواجي من الدكتور عبدالحميد الطويل، سوى فترة قصيرة، وعندما تم الطلاق، كان عمر ابني عاما واحدا، وكنت أمتلك سيارة مرسيدس، أخذها الطويل معه، وفي هذا الوقت تعرضت لأزمة مالية، وطالبتني الضرائب بمبلغ 900 جنيه، ولم أستطع سدادها، فقالوا لي إما الدفع أو الحجز على محتويات الشقة، أو تشميعها بالشمع الأحمر” .
تزامنت بوادر الأزمة مع حلول عام 1967، وتوقف الإنتاج السينمائي لفترة، واعتبرت مريم نفسها في إجازة مفتوحة، إثر أحداث عاصفة، وفشل زيجتها الثانية، لتفيق على التهديد بالحجز على شقتها، ووقتها اتخذت قرار السفر إلى لبنان، والعمل هناك في عدة أفلام، وبالفعل أخذت ابنها الرضيع، وسافرت على أول طائرة.
في المطار، قوبلت بحفاوة تليق بنجمة كبيرة، والتقطت العدسات الصور التذكارية للنجمة التي تحمل ابنها، وتغادر إلى أحد الفنادق، لتبحث عن بداية فنية جديدة، وبعد أيام التقت بعض المنتجين، واتفقت معهم على بطولة عدة أفلام، وقررت أن تعود إلى القاهرة، فور انتهائها من التصوير، ولكنها كانت في الطريق إلى زوجها الثالث.
تقول مريم: ” في لبنان، عملت أفلاما لبنانية وسورية وتركية، وأقمت هناك مدة عام وشهرين، وشعرت بالارتياح لأنني تخطيت أزمتي المالية، ورجعت إلى مصر، وكان معي نحو ثلاثين ألف جنيه إسترليني، وكان أول شيء فعلته أنني سددت المبلغ المطلوب للضرائب، وفككت الحجز عن شقتي ” .
عن قصة زواج بمريم فخر الدين الثالث يقول المطرب فهد بلان: ” التقيت مريم في القاهرة عام 1967، وكانت قد قررت العودة إلى السينما، ولكن الأخيرة لم تقرر لها العودة، فقد توقف الإنتاج بعد نكسة حزيران، ولكن منتجا لبنانيا عرض عليها بطولة فيلم (فرسان الغرام)، وفرحت مريم بالعمل في بيروت” .
تفاصيل أخرى ترويها مريم: ” عندما حضر المنتج اللبناني للاتفاق معي على الفيلم، كان معه شخص طويل القامة، وقال إنه الممثل الذي سيشاركك البطولة، وعرفت أنه المطرب السوري فهد بلان، ويومها قال إنه شاهد كل أفلامي مع فريد الأطرش وعبدالحليم حافظ، وفوجئت به يطلبني للزواج، وبعدها تزوجنا” .
تابعت مريم: ” الحقيقة أن فهد كان إنسانا مهذبا، ورجلا بمعنى الكلمة، ولست أبالغ إذا قلت إنه كان أفضل أزواجي، ولا أتذكر أية إساءة بدرت منه، طوال فترة زواجنا، وقد أقمت معه في شقة اشتراها بإحدى عمارات حي الزمالك بالقاهرة “
في هذه الفترة كانت ابنتها إيمان تعيش مع والدها محمود ذو الفقار، وبعد رحيله طرقت باب أمها لتقيم معها، وكانت وقتها في الرابعة عشرة من عمرها، وأيضا عاد ابنها محمد الطويل، وعمره أربع سنوات، ويومها شعرت بالفرح برجوع ولديها إليها، وحاول فهد التقرب إليهما، ليكسب ودهما، ولكن باءت محاولاته بالفشل.
ذات يوم عادت إيمان من مدرستها، وهي تبكي، وقالت لأمها إن زميلاتها كلما شاهدنها يقلن لها «واشرح لها»، وهو اسم أغنية مشهورة لفهد بلان، وكان واضحا بالنسبة لمريم، أن ابنتها تكره زوجها، واستطاعت التأثير على أخيها محمد، وانتقل إليه هذا الشعور، فأصبحت في حيرة وعليها أن تختار بين سعادتها وسعادة أولادها.
عن تفاصيل نهاية زواجها بفهد، قالت: “بالطبع رجحت كفة أولادي، رغم أن فهد لم يكن له أي ذنب، وشرحت له الموقف بكل صراحة، وكان فهد كريما، واستجاب لطلبي، وطلقني، رغم أنه كان يحبني، وكنت أحبه “
لم تكن هذه النهاية مشهدا من فيلم سينمائي، بل صدمة تلقاها فهد بلان بثبات، ليكمل المطرب السوري حياته، ويتألق بالغناء في حفلاته التي طافت أرجاء العالم العربي، ويتحقق له النجاح والشهرة، بل كان منافساً لأشهر المطربين في فترة الستينيات، وتابعت مريم مشوارها السينمائي، وقامت بدورها الطبيعي كأم تضحي بسعادتها من أجل أبنائها.
بعد طلاقها من فهد بلان، قالت مريم لولديها مازحة، إنها لا تستطيع العيش دون زواج، وعليهما أن يبحثا لها عن الزوج المناسب، وكانت قانعة بحياتها معهما، وتشعر بالاطمئنان عليهما، وواثقة أنها إذا تزوجت مرة أخرى، ولاقت نفس الظروف التي مرت بها في زيجاتها السابقة، ستضحي بكل شيء من أجلهما.

 

هدأت العاصفة، وعادت مريم فخر الدين لتحمل لقب ” مطلقة ” ، وكرست وقتها لولديها وعملها، واندفعت إلى نشاطها السينمائي بحماس لفت أنظار زملائها وزميلاتها، وخفتت تدريجيا الأقاويل التي تناثرت عن أسباب طلاقها من المطرب السوري فهد بلان، فيما أكد الطرفان مدى ما يكنه للآخر من تقدير واحترام.
في هذا الوقت، تحولت نجمة الرومانسية إلى أدوار «الأم الجميلة»، وباتت أكثر تألقا في أدائها للشخصيات المركبة، ورغم تراجع البطولة المطلقة، ظل حضورها طاغيا أمام جيل من الفنانين الشباب -آنذاك- مثل نور الشريف ومحمود ياسين ونجلاء فتحي ومرفت أمين
تقول مريم في أحد حواراتها: ” كنت بطلة في أول أفلامي، وأيضا في (رد قلبي) وتقاسمت البطولة مع فاتن حمامة في (لا أنام) وبعدها أفلام كثيرة مع نجوم جيلي مثل أحمد مظهر ورشدي أباظة وشكري سرحان وغيرهم، ولم أتردد في أن أقوم بأدوار الأم، ما دام الدور رئيسيا، ومؤثرا في الأحداث، وليس مجرد شخصية ثانوية ” .
ألمحت مريم إلى أنها من الجيل الذي أحب الفن، ولم يجر وراء المادة، وأنها تقاضت عن فيلمها الأول ألف جنيه، اشترت بها ملابس للشخصية التي تمثلها، بل كلفتها مئة جنيه إضافية، أي أنها أنفقت من مالها الخاص على عملها الذي عشقته، وامتهنته لأكثر من نصف قرن.
كانت النجمة على موعد مع الزوج الرابع والأخير، وهو شريف الفضالي الذي كان يصغرها بثلاثة عشر عاما، واتخذت التضحية مسارا آخر في حياتها، فقد تقرب إليها الشاب الصغير، عندما رأها لأول مرة في مكتب والده، وجذبه ناحيتها طلتها الجميلة، وبريق نجوميتها، فتغلب على تردده وطلب الزواج منها.
عن تفاصيل هذا اللقاء، قالت مريم: “وقتها كنت أصور فيلما مع نبيلة عبيد وبوسي، وأتذكر أن موقع التصوير كان في مكتب فتحي الفضالي، وهناك رأيت شابا نحيفا وقصيرا يجلس بجوار التليفون، واعتقدت أنه «تليفونست»، وبعد انتهاء التصوير طلبت منه أن يتصل برقم منزلي، لأكلم ابنتي إيمان وابني محمد، للاطمئنان عليهما، وأحيانا كنت أرسله لشراء بعض الأشياء، وهو يبتسم ولا يعترض” .
ذات يوم فوجئت مريم أن الشاب يعرفها بنفسه، فهو ابن فتحي الفضالي، ولم تدر ماذا تقول له، حين بادرها بطلب الزواج منها، فسألته عن عمره، وحين عرفت أنه أصغر منها، نصحته أن يكلم والده في الأمر، وبعدها فوجئت بموافقة أبيه، وحضوره إلى منزلها ليطلب يدها لابنه من أمها السيدة «باولا».
تسارعت الأحداث، وصارت مريم في مأزق، فقد تصورت أن الفضالي الأب سيرفض هذا الأمر، وحين وافق تعللت بأن والدة شريف سترفض حتما، ولكن خابت توقعاتها، فقد رحبت الأم بزواج ابنها من مريم، بل فوجئت أن ولديها إيمان ومحمد يتعلقان بهذا الشاب، ويرحبان بزواجها منه.
دام زواج مريم وشريف قرابة عشرين عاما، فقد اطمأنت لعلاقته الجيدة بولديها، وقبولهما له كزوج لأمهما، بل يبديان تعاطفهما معه، وانتهت أطول زيجاتها بالطلاق، بعد يوم واحد من زواج ابنها محمد، لتطوي الفصل الأخير من حكايتها مع أزواجها الأربعة، وأدركت أنها عاشت حياتها تبحث عن السعادة ولم تجدها، وتحول الماضي إلى أصداء من الذكريات.
أما عن تعدد مرات زواجها، فقالت: ” لقد أعطانا الله حق الزواج، ولم يعطنا حق الخطأ والانحراف، وقد استعملت حقي في الزواج والطلاق، فتزوجت وكلما شعرت أن زوجي تسبب في تعكير صفو حياتي، حدث الانفصال، وأعتقد أن هذا رد كاف على الشائعات، فقد حصلت على احترام الجمهور من احترامي لنفسي وفني “
في أحد حواراتها، قالت مريم ” صديقاتي هن نادية لطفي وهند رستم وشادية وكوثر العسال وليلى طاهر، ومن أصدقائي الفنان أحمد مظهر، واعتبره مثل شقيقي يوسف فخر الدين، وقد ظل يكلمني في الهاتف، ويطمئن على أحوالي، وقد مثل دور البرنس علاء في «رد قلبي» شقيق البرنسيسة إنجي، الذي قمت بتمثيله، والحقيقة أنه كان إنسانا شهما، وفنانا متميزا “.
عن هواية اقتناء المجوهرات، قالت ” في طفولتي كان والدي المهندس محمد فخر الدين، يصحبني معه إلى منطقة الحسين بالقاهرة، وذلك ليصلي صلاة الجمعة في المسجد، وأثناء ذلك يتركني في محل صديقه الصائغ، وذات مرة اشترى لي خاتما ذهبيا، وكان ثمنه وقتها 50 قرشا فقط، وأثناء جلوسي في المحل، استمعت لحكايات من السيدات اللاتي أتين للشراء أو البيع، وحكت إحداهن أن مصاغها أعانها على تربية أولادها بعد وفاة زوجها، وأخرى تقول إن مجوهراتها أنقذتها في أزمتها الصحية “
ظلت حكايات السيدات محفورة في ذاكرة مريم، وأدركت أن اقتناء الحلي ليس مجرد هواية فقط، بل مدخرات تعينها في الأوقات الصعبة، ولكنها صادفت بعض الأزمات، جعلتها تفرط في بعض مقتنياتها، ولكنها احتفظت بالكثير من المشغولات الذهبية حتى سنواتها الأخيرة.
في عام 1997، خضعت مريم فخر الدين لجراحة استئصال إحدى كليتيها، وأكد لها طبيبها أن كليتها الأخرى تعمل بكفاءة، ووقتها انهالت مكالمات المعجبين للاطمئنان على صحة مريم، ووفق المنشور في مجلة «أخبار النجوم» المصرية في عددها الصادر يوم 26 يوليو 97، اتصل بالمجلة الشاب محمد يونس عثمان، لأمر مهم، وأعلن رغبته في التبرع بإحدى كليتيه لنجمته المفضلة.
لم يكن الأمر بالنسبة لعثمان، مجرد «شو إعلامي» فقد كان ملاكما وبطل مصر السابق في المصارعة وكمال الأجسام ورفع الأثقال، فحين التقى مريم، أخبرها أن له موقفا معها لا ينساه، وذلك قبل سنوات طويلة، عندما كان طفلا، وذهب مع شقيقه الذي يعمل مساعدا في أحد الاستديوهات، وكانت أمنيته أن يقابل الفنانة مريم فخر الدين، وصار أمامها وجها لوجه، فقابلته بابتسامة رقيقة، فزال خوفه، وقال لها أنا معجب وأحبك جدا، فقالت له وأنا أيضا أحبك، وأدرك أنها مجاملة لطفل صغير، ويومها غمره شعور بالسعادة
اعتذرت مريم للمصارع الشاب، رغم حماسه الشديد للتبرع لها بكليته، وأخبرته أن الطبيب الذي أجرى عملية الاستئصال، قد طمأنها أن الكلية الأخرى تعمل بكفاءة عالية، ولن يرضيها أن تأخذ كُلى من أحد، فهو شاب يحتاج إلى كامل صحته، بينما قد عاشت الحياة والنجاح والشهرة، وتزوجت وأنجبت، وصار لديها أحفاد، وتشعر بالسعادة بهذا التقدير والحب من جمهورها.

 

عن مشوارها السينمائي، قالت: ” أي خسارة تهون أمام حبي للسينما، ولا توجد تضحية أكثر من رفض الأب والأهل لدخول هذا المجال، وقد عشقت التمثيل، ولا أستطيع أن أعتزل هذا العمل، فقد وهبته حياتي وأعصابي ووقتي وصحتي، وصراحة لو مكثت شهرا دون تصوير، توحشني رائحة (البلاتوه) “
.
كشفت مريم سر ابتعادها عن المسرح بقولها: ” لا أستطيع الوقوف على خشبة المسرح، لأنه يحتاج إلى شخصية أقوى مني، وليس في إمكاني السهر من العاشرة حتى الرابعة صباحا كل ليلة، إضافة إلى أنني أشعر بالخجل عندما أمثل أمام جمهور، بينما لا أهاب كاميرات السينما أو الفيديو”
ألمحت مريم إلى أنها لا تحصل على معاش من التلفزيون، وأنها وزملاءها مثل أحمد مظهر، يتقاضيان من نقابة المهن التمثيلية معاشا لا يزيد على 250 جنيها، بينما الشغالة تتقاضى 350 جنيها شهريا، وتساءلت: هل هذا يليق
بتاريخ ومكانة النجوم الكبار، وتاريخهم الفني خلال 50 عاما؟
اما عن السبب الرئيس في حالة العداء بين مريم فخر الدين وفاتن حمامة، بسبب ترتيب الأسماء على ملصق فيلم “لاأنام” يؤكد هذا الأمر الخطاب الذي وجهته مريم فخر الدين، ويحمل توقيعها، إلى عبده نصر صاحب شركة «اتحاد الفنيين» ومديرها بخطاب يعود تاريخه إلى 18 سبتمبر 1956. جاء في الخطاب:
“ساءني جداً الإعلان المنشور في العدد الأخير من مجلة الفن عن فيلم لا أنام، من إنتاجكم، وفيه لاحظت أنكم خالفتم نص العقد بخصوص وضع اسمي في المكان والحجم المتفق عليه في العقد، أرجو مراعاة هذا مستقبلاً ضماناً لعدم وجود سوء تفاهم مما يؤثر في صلاتنا الودية التي أعتز بها “
الناقد الفني طارق الشناوى أوضح: “مريم من مدرسة الفنان محمود المليجي، الذي كان يردد (أريد أن أموت وأنا جنرال وليس عسكري)، قاصدا أن يموت وهو يملك مكانته الفنية العالية وكانت مريم تتبع نفس النهج وتريد أن تظل فى الميدان”.
توفيت مريم فخر الدين صباح الاثنين 3 نوفمبر 2014 في مستشفى المعادي حيث كانت خضعت لعملية إزالة تجمع دموي من المخ لكن حالتها الصحية تدهورت بعد إجراء الجراحة وظلت في غرفة العناية المركزة حتى توفيت لتقام صلاة الجنازة على الفنانة الراحلة مريم فخر الدين، بمسجد مستشفى المعادي العسكري عقب صلاة الظهر، حيث قررت أسرتها دفنها في مقابر الأسرة بمدينة ٦ أكتوبر كما قررت أسرة الفنانة الراحلة مريم فخر الدين إقامة عزائها بعدما وارى جسدها الثري في يوم السبت 8 نوفمبر( 2014) من مسجد عمر مكرم..

 

رحم الله برنسيسة الفن وأشهر فاتنات السينما المصرية مريم فخر الدين..
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق